التفتازاني
204
شرح المقاصد
التمدح مدرج في أثناء المدح ، فيكون نقيضه وهو الإدراك بالبصر نقصا ، وهو على اللّه تعالى محال ، فيدل هذا الوجه على نفي الجواز . والجواب : أولا : أنه لو سلم عموم الإبصار وكون الكلام لعموم السلب - لكن لا نسلم عمومه في الأحوال والأوقات ، فيحمل على نفي الرؤية في الدنيا جمعا بين الأدلة . وأورد عليه أولا : « 1 » أن هذا تمدح ، وما به التمدح يدوم في الدنيا والآخرة ولا يزول . ودفع بأن امتناع الزوال إنما هو فيما يرجع إلى الذات والصفات ، وأما ما يرجع إلى الأفعال فقد يزول لحدوثها . والرؤية من هذا القبيل فقد يخلقها اللّه تعالى في العين وقد لا يخلق ثم . ولو سلّم عموم الأوقات فغايته الظهور والرجحان ، ومثله إنما يعتبر في العمليات دون العلميات . وثانيا : أنا لا نسلم أن الإدراك بالبصر هو الرؤية أو لازم لها بل هو رؤية مخصوصة . وهو أن يكون على وجه الإحاطة بجوانب المرئي إذ حقيقته النيل والوصول مأخوذا من أدركت فلانا إذا لحقته ، ولهذا يصح رأيت القمر وما أدركه بصري لإحاطة الغيم به ، ولا يصح أدركه البصر وما رأيته فيكون أخص من الرؤية ملزوما لها بمنزلة الإحاطة من العلم ، فلا يلزم من نفيه نفيها ، ولا من كون نفيه مدحا كون الرؤية نقصا ، واستدلالهم بأن قولنا أدركت القمر ببصري وما رأيته تناقض ، إنما يفيد ما ذكرنا لا ما ذكروا ، ونقلهم عن أئمة اللغة افتراء ، فإن إدراك الحواس مستعار من أدركت فلانا إذا لحقته ، وقد صار حقيقة عرفية ، فالرجوع فيه إلى العرف دون اللغة . فإن قيل : فإذا كان الإدراك ما ذكرتم وهو مستحيل في حق الباري لم يكن لقوله لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ فائدة ، ولا لقوله وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ « 2 » جهة .
--> ( 1 ) في ( أ ) بزيادة لفظ ( أولا ) . ( 2 ) سورة الأنعام آية رقم 103 والبصر : هو الجوهر اللطيف الذي ركبه اللّه تعالى في حاسة النظرية تدرك . والإدراك : عبارة عن الإحاطة ومنه قوله إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ أي أحاط به ، ومنه إِنَّا لَمُدْرَكُونَ أي محاط بنا فالمنفي إذا عن الأبصار إحاطتها به عز وعلا لا مجرد الرؤية .